حيدر حب الله

222

نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي

الملاحظة الخامسة : إنّ ما يذكره صاحب « هداية المسترشدين » من مسألة براعة فريق في التفريع دون فريق ، يمكن المناقشة فيه من زاوية أنّ فريق المحدّثين لو كانت القضيّة عنده مجرّد عدم رغبة في التفريع أو عجز عن ممارسته ، لكان ينبغي له أن يدوّن المصنفات الحديثية ، لا أن يجعلها مرجعا ويتصدّى بنفسه لشؤون مرجعية الشيعة كما حصل بالخصوص مع الكليني ( 329 ه ) والصدوق ( 381 ه ) ، بل كان يفترض به أن يحيل شأن الفقه إلى المجتهدين ، وهو ما لا نجده أبدا ، كما لا يمكن الحديث عن طاقات شخصية ، فطاقات الكليني وأمثاله لا تقلّ عن طاقات المرتضى وأمثاله ، أضف إلى ذلك أنّ اتهام مثل ابن الجنيد بالقياس - كما سيأتي قريبا - قد يصلح مؤشرا على رفض نزعة الاجتهاد ، إذا أثبتنا أنّ الرجل إنما كان صاحب نظر وتحليل لا عاملا بالقياس كما زعم ، فهذا يؤكّد وجود الحساسية من ممارسة فعل تفريعي أو عقلي في المجال الفقهي ونحوه كما أشرنا إليه آنفا ، وإن كان هذا الاحتمال الأخير في ابن الجنيد ضعيفا ، حيث كان أوّل الطاعنين فيه الشيخ المفيد في المسائل السروية والصاغانية على ما سنشير إليه قريبا ؛ مؤلّفا كتاب « النقض على ابن الجنيد في اجتهاد الرأي » « 1 » ، أو « الجنيدي ، رسالة إلى أهل مصر » حسبما يسمّيها الطهراني في الذريعة « 2 » ، وإن بقي احتمال أن يكون المفيد مخبرا لنا - ومتبنّيا - عن وجود رفض سابق عليه أيضا ، خصوصا إذ صحّت الرسالة الجنيديّة للشيخ الصدوق « 3 » . الصراع والتمايز بين الأخباريّة والأصوليّة وعلى أيّة حال ، فقد ظهرت المدرسة الأخبارية الحديثة أوّلا في إيران « 4 » ثم في

--> ( 1 ) - النجاشي ، الرجال : 402 . ( 2 ) - الطهراني ، الذريعة 5 : 170 . ( 3 ) - ذكر الطهراني في الذريعة 11 : 108 ، أنّ للصدوق « رسالة إلى حمّاد بن علي الفارسي في الردّ على الجنيديّة » ، لكنني لم أجد الرسالة بهذا العنوان في فهرست الطوسي ورجال النجاشي ، بل جاء عنوان « رسالة إلى أبي محمد الفارسي في شهر رمضان » في رجال النجاشي : 392 ، وهي الرسالة التي نصّ الطهراني على أنّها غير الرسالة الأولى ، وقد جاء اسم الرسالة الأولى في كتاب « رسائل الشريف المرتضى » 2 : 29 ؛ إلا أنّنا لا نعرف عن مضمون الرسالة شيئا حتى نتأكّد من أنّها تقع في سياق معركة المجتهدين والمحدّثين قبل حقبة المفيد ، لا بل إنّ ذكر المرتضى لها لدى بحثه في الرسالة العددية والتي يدور محورها حول شهر رمضان يعزّز أن الرسالتين ليستا سوى رسالة واحدة ، يهدف منها إثبات مسألة عدد أيام شهر رمضان ، فتكون منفصلة عن بحثنا ، واللّه العالم . ( 4 ) - يذكر الشيخ محمد مهدي الآصفي أن بداية الحركة الأخبارية كانت عام 985 ه ، راجع له تاريخ فقه أهل البيت عليهم السّلام مقدّمة على رياض المسائل 1 : 103 .